وظيفة العلامات الانتقال التدريجي لعصر الظهور

Featured Image

وظيفة العلامات الانتقال التدريجي لعصر الظهور

واحدة من سمات الطبيعة البشرية مقاومة التغيير الفجائي للواقع،وهو قانون فيزيائي ينطبق أساسًا على المادة،لكنّه في علم الاجتماع ينطبق على الواقع الاجتماعي لكلّ البشرية أيضًا،فالأُمم والشعوب بطبيعتها غير قادرة على تقبُّل التغيير الفجائي،ولمّا كان خالق الخلق هو الأعلم بطبيعة خلقه وما أودعه فيهم من طبائع وقوانين يصبح من السهل علينا تفسير أسلوب التدرّج في هداية الناس وإبلاغهم الدعوة،وقد قيل قديمًا أنَّ الناس أعداء ما جهلوا،وأنَّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق والأمثلة على هذا الأمر من الكثرة بحيث تكاد أن تكون لا تحصى،ومنها التدرج في تحريم الخمر والتدرج في فرض الواجبات وغيرها.

إذا كان الأمر كذلك فمن الطبيعي أن يتم التعامل مع عصر الظهور الشريف بما يتناسب وحيثيات هذا القانون،تخيّل لو أنَّ الشعوب والأمم والحكومات المستكبرة استيقظت فجأة على نظام عالمي جديد كيف سيتم التعامل مع الأمر؟وكيف ستكون الفوضى والاقتتال والتكالب على بعضهم البعض؟ إنّ حكمة الله (عزّ وجلّ) ورأفته بعباده ولطفه يوجب أن يكون هذا التغيير تدريجياً وعلى شكل جرعات يتم استيعاب كلّ جرعة والتعوّد عليها ثم الانتقال الى الجرعة الثانية والثالثة وهكذا.

وهذه هي بالضبط إحدى أهم وظائف علامات الظهور الشريف،فالمبعث النبوي لم يكن فجائياً كما يتصور البعض؛بل إنّ الحكمة الإلهيّة اقتضت أن يتم نشر وعي البعثة منذ عهد آدم (عليه السلام) الى ظهور النبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله)،فليس هنالك نبي إلّا وبشَّرَ أُمّته بالنبي الخاتم،وهكذا أصبحت عقيدة النبي الخاتم من أهم العقائد التي تؤمن بها أُمم الأنبياء السابقين على اختلافهم الشديد في بقية القضايا،كما أنَّ تزاحم العلامات والمؤشرات تسارعَ بصورةٍ كبيرةٍ مع اقتراب البعثة النبوية،فظهور هاشم جد النبي (صلّى الله عليه وآله) بكل ما تميّز به من خِلقة ونور وهَيبة وسطوة على القلوب ومحبة بين الناس وطاعة منهم الى كلّ ما يقوله لم يكن إلّا لتهيئة النفوس لقبول ولده المخلِّص الموعود (صلوات الله عليه)وهكذا كان يُقال عن عبد المطلب وهو (شَيبةُ الحمد) وعبد الله الذي كان أعظمهم نورًا وجمالًا الى درجة أنّه تعرّض لعدة محاولات اغتيال أدّت آخرها الى قتله (سلام الله عليه) كما يعتقد البعض،ومع ظهور العلامات الكثيرة والمتواترة والظاهرة للجميع أثناء ولادة ونشوء نبي الرحمة (صلّى الله عليه وآله) لم يعد بالإمكان التعامل مع هذا المولود المبارك والصبي الناشئ في بيئة مكة كتعاملهم مع أي فرد عادي،ولذلك نحن نختلف مع من يقول بأنَّ أهل مكة كانوا يرونه كأحدهم في المزايا والصفات والمعاجز،كما نختلف مع من يقول بأنَّ أهل مكة كانوا غافلين عن أنّه المخلِّص الموعود وما جرى على يديه (صلوات الله وسلامه عليه وعلى أهل بيته الأطهار) من المعاجز والكرامات لم يكن له وظيفة التكريم فقط؛إنّما وظيفة التمهيد والانتقال التدريجي الى عصر المبعث الشريف ولذلك لم يكن (من وجهة نظري) مبعثه الشريف مفاجئاً لأهل مكة؛وإنّما كانوا على علمٍ ودراية بقداسته وأنّه هو صاحب المستقبل الموعود والأمثلة على ذلك كثيرة،إذ يقال أنّ خديجة كانت تقول قبل البعثة وقبل زواجها من النبي(صلى الله عليه وآله) عندما يمرّ بها أمر أو عندما تتعثر في ثيابها : ما أفلح من عاداك يا محمد !! وما بعد البعثة يمكن أن يلاحظ المتتبع كيف كانت السياسة النبوية في التربية التدريجية والانتقال السلس من عصر الجاهلية الى عصر الإسلام.

وعَوْداً على بِدء نعتقد أنّ وظيفة العلامات هي الانتقال التدريجي للأُمم والشعوب من عصر الغَيبة الى عصر الظهور بصورة سلسلة ومقبولة ويسبق ذلك التربية المكثّفة للأُمة من خلال النمو التدريجي في الوعي العقائدي والتعوّد على طاعة الرمز القائد الممثِّل للإمام(عليه السلام) وهو المجتهد الجامع للشرائط،ومن ثَمَّ إدخال الأُمة في مرحلة تحقُّق العلامات من دون أن تشعر بالصدمة،يُلاحَظ أيضاً أنّ العلامات ستبدأ باختلاف العدو المستكبر (اختلاف الترك والروم ،اختلاف بنو فلان،اختلاف بني العباس،اختلاف شديد بين العرب) وهي علامة تمهيدية لتنقل وعي الأمة الى مستوى استيعاب متطلبات المرحلة وضعف العدو،ومن ثَمِّ إرسال الرسائل المتوالية للأُمّة بضرورة الاستعداد والتمكين والتعبئة وأنِّ عليهم أن يدفعوا أنفسهم الى واجهة الأحداث والمواجهة المباشرة (الدفاع المقدس عن حرم السيدة زينب عليها السلام ٢٠١٢،دفاع حزب الله عن الشيعة في سوريا ٢٠١٣،الدفاع عن المقدسات في العراق وتأسيس الحشد الشعبي ٢٠١٤،المطالبة الإيرانية بالحق ٢٠١٥) وكلّها احداث كانت تنتقل تدريجيًا بوعي الأمة الى مرحلة متقدِّمة جداً.

فالأُمّة التي هُدِّمت مراقدها في المدينة عام ١٩٢٥ وكانت تخشى عام ٢٠١١ على مرقد السيدة زينب (عليها السلام) يهرول إليها العدو المستكبر، اليوم ولأوّل مرة في التأريخ يُستجدَى عطفها ويُتَفَاوض معها.

ومن نافلة القول أنَّ الوعي الشيعي لا يمكن أن يرجع القهقرى،فلا يمكن أن يفكر أي شيعي اليوم بإمكانية قيام أي قوة على وجه الأرض بالتعدي على مقدساته في النجف أو كربلاء او سوريا،ومن المُلاحَظ أيضاً أنّ انتقال العلامات من مرحلةٍ الى أُخرى فيه محطّات استراحة للأُمّة لكي تهضم الدرس وتستوعب التغيير الانتقالي والناعم الى مرحلة الظهور الشريف؛ فهو ليس تغييرًا اندفاعيًا من دون استراحات بين المراحل غير أنّه كلّما تقدّمنا نحو الظهور الشريف ستبدأ هذه الاستراحات بالتقلّص شيئًا فشيئًا وهكذا حتى تتعوَّد الأُمّة تماماً على التغيير العالمي المرتقب،نتذكر جيداً كيف كان حديث الحرب العالمية مستغرَباً ومستهجَناً جداً قبل بضعة سنوات،وكيف اصبح الحديث عن أوكرانيا وما بعد أوكرانيا وعن الحرب النووية حديث الحتميات واليقينيات!! تخيَّل لو أنَّ الأُمة انتقلت بين ليلةٍ وضحاها الى الحرب العالمية من دون أي مقدّمات كيف يمكن أن تواجه الحدث وكيف يمكن أن توفِّر لنفسها مقوِّمات البقاء أثناء وبعد الحرب وكلّ ذلك من وظيفة العلامات.

وما بين السفياني والإمام خمسة عشر شهرًا،وما بين الصيحة والخروج ثلاثة أشهر ونيّف،وهكذا تكون الأُمّة قد تعوّدت على كلّ واقع جديد ثمَّ يتم نقلها الى واقع أكبر وأعظم إلى أن نصل إلى مرحلة الظهور الشريف والأُمّة قد تعوَّدت تماماً على حديث العلامات والظهور الى الدرجة التي يُشرَب الناس فيها حبّ المهدي ويظهر ذكره على ألسنتهم ويبدؤون في البحث عنه! ما يعني أنّ الانتقال التدريجي للأمة يفعل فعله بحيث يكون معتادًا في كلّ مرحلة،فاليوم حرب أوكرانيا أصبحت حدثاً عادياً بينما كانت مستحيلة في نظر البعض قبل سنة من الآن،وستصبح الحرب العالمية أمرًا معتاداً ويكون خروج السفياني متوقَّعًا؛بل والحديث عن اسمه وحركته وهكذا تصورات حركة اليماني وبزوغ معالم حركته وكذلك الخراساني،ولذلك لا تتوقعوا أن يكون الظهور الشريف أمراً فجائياً للأُمة وإلّا من أين سيأتي جيش اليماني ومن أين سيُقبل ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا من مختلف المناطق ومن أجل ماذا وهل من المعقول أنَّ كلّ ذلك يكون من دون حركة جماعية للأُمة المنتَظَرة ومن دون ترتيبات تستمر لأشهُر وسنوات؟!!

اللهمّ عجِّل لوليّك الفرج والعافية والنصر

شارك الموضوع: